الأربعاء، 28 سبتمبر 2016

التخلص من المشاعر السلبية





الميل الى تجنب المعاناة العاطفية هو سبب جميع الامراض النفسية إذا أردنا أن نحيا بصحة علينا مواجهة المشاكل مباشرة واختبار الامها
سكوت بيك (من كتاب الطريق قليل السفر)

في علم النفس مفهوم الاكتئاب ليس مجرد الحزن وحسب فأي انسان يحزن عندما يلقى ما لا يسره، انما يشخص المريض بالاكتئاب اذا استمرت اعراض الحزن عليه لأكثر من أسبوعين.

لكن في هذا المقال سنتناول سبل التخلص من الشعور بالحزن سواء أكان حزنا تقليديا لظروف ألمت بك أو حزنا مرافقا للاكتئاب المرضي، في كلتا الحالتين ستساعدك هذه المقالة التعامل مش مشاعرك الداخلية السلبية.

عندما نتحدث عن الحزن او الاكتئاب فإننا نقصد تلك المشاعر السلبية التي لانريد أن نشعر بها، أعني من منا يريد أن يشعر بالحزن والاكتئاب وغيرها من المشاعر التي توصف بالسلبية وركز هنا على كلمة وصف التي ستهمنا بعد قليل.

التصرف البديهي حيال الشعور بالحزن هو محاولة كبح ذلك الشعور ومحاولة منع الاحساس به ولا شك انك قد جربت وحاولت محو المشاعر السلبية التي لابد وانها زارتك يوما ما ولربما استنتجت ان هذا لا ينجح أعني محاولة كبح المشاعر والاحاسيس السلبية لن يجعلها تختفي ببساطة، هذا يشبه محاولتك لكبح الالم الجسدي باستخدام الافكار فقط، هل برأيك سيزول ألم الاسنان مثلا لمجرد أنك تحاول كبحه واخفاءه عن الوجود؟ بالتأكيد لا، فلم اذا تعتقد ان بوسعك شطب الالام النفسية بمجرد محاولة اخمادها والضغط على نفسك لمنعها من الاحساس بالالم.

لايوجد طريقة لمنع المشاعر السلبية من الظهور، لكنني هنا سأطلعك على طريقة للتعامل مع المشاعر السلبية بدلا من كبحها.

حتى تتعامل مع المشاعر السلبية عليك أن لاتتعامل معها ، وسأكشف لك عن معنى هذه العبارة ولكن قبل ذلك أريد أن أقول أنني هنا سأخوض في مفهوم واسع قليلا يتجاوز مجرد المشاعر السلبية ، ولكننا سنأخذ الامور ببساطة على قدر الامكان.

قبل كل شيء عليك أن تدرك أن لا وجود لمفهوم الأحاسيس السلبية ، هي أحاسيس وفقط ولاتخضع في حـقـيـقـتها لتصنيفاتنا ، نحن فقط نحب تصنيف الاشياء ، عند ادراكك لهذا سيكون من الممكن أن تتقبل وجود المشاعر السلبية على أساس أنها جزء من العالم الذي نعيش به، وهكذا هي طبيعة الامور.

لقد اعتدنا جميعا خلال حياتنا، عدم السماح لأنفسنا بالشعور بما نسميه حزن واكتئاب وغير ذلك، لأننا كنا نحسب أن الطريقة السليمة نحو الصحة النفسية هي عدم الشعور بالحزن، وتناسي الهموم وتناسي الاحزان ورمي هموم الدنيا، بكل بساطة أذا أردت السعادة عليك بعدم الاحساس بالحزن او الإكتئاب أليس كذلك؟ هذا فهم مغلوط، ويغذي هذا الفهم المغلوط تلك النظرة الى المشاعر السلبية باعتبارها علامة ضعف وان الرجل الحقيقي غير مسموح له بأن يشعر ألا بالغضب فقط ذلك الشعور الوحيد المقبول اجتماعيا، الحقيقة أنك بمقاومتك للاحاسيس الداخلية تسبب لنفسك معاناة مضاعفة، وكلما حاولت الضغط على نفسك لإيقاف سيل المشاعر ستزداد الامور سوءا، كل الاكتئاب العاطفي الذي في حياتك سببه الرغبه الطفولية في الاحساس بالسعادة ولا شيء غيرها، ولاشك أنك تلاحظ من خلال ما ينشر على الانترنت والقنوات الفضائية تلاحظ تلك الرغبه صبيانية لتجنب الالم وبالقاء في السعادة الابدية، بينما الحل يكمن في ان تتوقف عن المقاومة وتسمح لنفسك بالشعور بكل شيء سلبيا أو أيجابيا.

في علم المواد هناك ما يسمى الموصل الفائق Superconductor وهي المادة التي يسير من خلالها التيار الكهربائي ولاتـقاومه، عندما يمر التيار الكهربائي بأسلاك نحاسية فإنه يرفع من حرارتها وإذا كان قويا فإنه قادر على إذابتها، وعلى النقيض فمهما كان التيار قويا لايمكنه أن يؤذي الموصل الفائق، إن هذا التشبيه مناسب تماما لتمثيل صراعنا مع العواطف ، خصوصا السلبية منها كلما حاولنا مقاومتها اذتنا أكثر.

ما عليك فعله هو أن تقوم بشيء يشبه الاستكشاف الداخلي أو المغامرة الباطنية، عندما تكون في وضعية الاسترخاء التام قم بالتركيز على الشعور السلبي الذي يكمن بداخلك، لاتقل عنه إيجابي أو سلبي ولكنه إحساس وفقط وقم بالتركيز عليه ، حاول أن تستشعر كيف يبدو شكله وكيف هو الاحساس به، وهذا ليس سهلا خصوصا في محاولتك الاولى ، ولكن لاتجعلها الاخيرة، ذلك الاحساس بداخلك ، هل يبدو كشعور باللإنقباض وكأن صدرك صار ضيقا، أم هو شعور بالفراغ الداخلي والحزن.

مهما كان شعورك ما عليك فعله هو عدم فعل شيء، إنما راقب احساسك هذا واجعل مراقبتك كنوع من الاستكشاف، انس الان ماتعلمته عن علم الاعصاب وكيف تحصل المشاعر، فقط راقب احساسك الداخلي، ثم اسمح لنفسك بالشعور به ، ولا أقصد أن تجعله أسوء بطريقة متعمدة فليس هذا هو المقصود بأن تسمح لنفسك بالشعور، ولكن اخبرنفسك أن لاضرر من الانفتاح على الاحاسيس الداخلية ، وهذا لايقلل من شأنك ولا يجرح كبرياءك.

استمر بمراقبة شعورك والسماح له بأن يكون موجودا وحسب من غير أن تحاول اخفاءه . إذا كان الالم كبيرا فإن عقلك سيحاول الهروب من الواقع ، مثل أن يحاول اقناعك انك أقوى من أن تشعر يالالم النفسي، أو يبدأ عقلك بخلق قصص خيالية عن ما كان يجب أن يكون (لو فعلت كذا لما كان هذا...)، لا تهتم بكل هذا فقط ابق مركزا في الواقع وفي اللحظة الحالية، والواقع يقول أنك الان تشعر بالحزن أو الغضب ( أو أيا كان ما تشعر به) في هذه اللحظة وهو ما عليك التركيز به. اسمح للمشاعر السلبية أن تمضي خلالك بدون مقاومة.

ولا تقلق من أن الاستسلام للمشاعر سيصيبك بأذى نفـسي من نوع ما ، بل على العكس كل أنواع الضرر النفسي التي تصيب الناس ، تصيبهم بسبب مقاومتهم للمشاعر السلبية.

الفكرة هي أن تحول نفسك الى ما يشبه مانعة الصواعق ، يضربها البرق بالاف الفولتات الكهربائية لكنه يمر من خلالها ، ليتفرغ في الارض وتبقى مانعة الصواعق سليمة من الأذى.

أنا أعرف أنك جئت الى هنا رغبة منك بحل سحري حتى لاتشعر بشيء ، ولكن يؤسفني أن أخبرك بعدم وجود طرق مختصرة ، الحلول السهلة هي حلول مؤقته يخدع بها الكسالى أنفسهم ، لاتوجد طريقة لعدم الشعور بالاحاسيس السلبية ، ولكن يمكن التعامل معها.

طبعا لاتفهم من كلامي أن تستسلم للشيء الذي سبب تعاستك ، اذا كان سبب حزنك هو خسارتك في أموال البورصة فحاول تعويض الخسارة، ولكن المقصود هو أن لاتحاول تجنب المشاعر السلبية عن طريق حبسها وانكارها .

بشأن موضوع مراقبة أفكارك وأحاسيسك مجرد المراقبة من غير التدخل بها ، موضوع كبير كفيل بقلب حياتك بأكملها، لكننا لانريد هنا الا التركيز على مسألة المشاعر السلبية.

بقي أن نتحدث عن المشاعر الايجابية ، أيضا كبحها ومحاولة التخلص منها ، وبعض الناس يفعل هذا حقا، يؤدي للضرر النفسي على المدى البعيد ، ولكن يجدر بك معاملة جميع مشاعرك بالتساوي اذا أردت النضوج العاطفي الذي بدوره سيمكنك من النمو كأنسان سوي.

إن السيطرة على المشاعر بمعنى حسن التعامل معها، يمنحك قدرة كبيرة على السيطرة على حياتك والتحكم بها ويفتح أمامك مجالات كبيرة ، فإن احسنت التعامل مع مشاعرك فيمكنك حينها تشكيل حياتك كما ترغب.

اذا اعجبتك المقالة قم بمشاركتها مع من تعرف، وإذا كان عندك اي سؤال فلا تتردد بكتابة تعليق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق